يكشف الصحفي تيس ماكلور في هذا التحقيق عن صورة دامية لما جرى في إيران خلال حملة القمع الأخيرة، مستندًا إلى شهادات أطباء، وموظفي مشرحة، وعاملين في المقابر، رسموا معًا مشهدًا يتجاوز بكثير الأرقام الرسمية المعلنة عن أعداد القتلى.


في الفقرة الثانية يذكر التحقيق أن المصدر هو صحيفة الغارديان، التي اعتمدت على شبكة واسعة من الشهادات الطبية والإنسانية داخل إيران وخارجها، في ظل تعتيم إعلامي وانقطاع واسع للإنترنت.


أطباء خارج النظام الرسمي

 


بدأت القصة في الثامن من يناير، عندما لاحظ الطبيب أحمدي، الذي فضّل إخفاء هويته خوفًا من الانتقام، تدفق مصابين شباب تجنبوا المستشفيات الحكومية خشية الاعتقال. تولّى أحمدي وزوجته علاجهم في موقع غير رسمي بعد أن انتشرت الأخبار عبر شبكة محلية سرية. في البداية بدت الإصابات سطحية، لكن مع مرور الساعات تحولت إلى طلقات نارية قريبة المدى وطعنات خطيرة في الصدر والعينين والأعضاء التناسلية، وانتهى كثير منها بالموت.


صدم عدد القتلى أحمدي، إذ تجاوز الأربعين في بلدته الصغيرة وحدها. ومع غياب الإنترنت، جمع أحمدي شبكة من أكثر من 80 طبيبًا ومسعفًا في 12 محافظة لتبادل البيانات وبناء صورة أوسع عن حجم العنف.


تقديرات تتجاوز الأرقام الرسمية

 


يتحفظ الأطباء عن إعلان رقم دقيق، لكنهم يجمعون على أن كل الأرقام المتداولة تقلل بشدة من الحقيقة. بمقارنة عدد القتلى الذين عاينوهم مع المعدلات المعتادة في المستشفيات، قدّرت الشبكة الطبية أن العدد قد يتجاوز 30 ألف قتيل، انطلاقًا من قناعة بأن الوفيات المسجلة رسميًا لا تمثل سوى أقل من 10% من الحصيلة الفعلية.


تعترف الحكومة الإيرانية بأكثر من 3 آلاف قتيل، بينما وثّقت منظمة «هرانا» الحقوقية أكثر من 6 آلاف وفاة مؤكدة، مع 17 ألف حالة أخرى قيد التحقيق، ما يرفع الإجمالي المحتمل إلى نحو 22 ألفًا. في المقابل، قدّم أطباء في الخارج تقديرات تصل إلى 33 ألفًا أو أكثر.


إخفاء الجثث والدفن السريع

 


تكشف شهادات من مشارح ومقابر عن جهود منظمة لإخفاء حجم القتل. نقلت السلطات جثثًا في شاحنات آيس كريم ولحوم، ودفنت أعدادًا كبيرة على عجل، فيما اختفت مئات الجثث من سجلات الطب الشرعي. في إحدى المشارح، واجه العاملون شاحنات محملة بجثث تفوق قدرة التخزين، ثم اختفت شاحنتان دون معرفة وجهتهما، ما أثار شكوكًا حول دفن جماعي.


وثّقت مقاطع فيديو من مشرحة كهريزاك في طهران مشاهد مماثلة، تظهر مئات الجثث مصطفة داخل وخارج المنشأة. كما تحدّث شهود في مقبرة «بهشت سكينة» بمدينة كرج عن وصول مئات الجثث غير المعرّفة خلال أيام قليلة، بعضها نُقل في شاحنات صغيرة مخصصة لنقل الخضار، دون أكياس مخصصة للجثث.


دلائل على قتل منهجي

 


يشدد الأطباء على أن طبيعة الإصابات تشير إلى قتل متعمد ومنهجي لا إلى إطلاق نار عشوائي. في بعض الحالات، حملت الجثث آثار طلقات في الرأس عن قرب، مع بقاء قساطر وأنابيب طبية موصولة، ما يوحي بأن الضحايا لقوا حتفهم أثناء تلقي العلاج.


تطابق هذه الشهادات صورًا حللتها منظمة «فكت نامه» الإيرانية، تُظهر جثثًا بملابس المستشفيات مع آثار طلقات نارية في الجبهة. يرى أطباء أن وجود الأدوات الطبية دليل قوي على وقوع القتل داخل مرافق علاجية.


قمع الذاكرة لا الاحتجاج فقط

 


يخشى كثير من العاملين في القطاع الطبي ألا يُعرف الرقم الحقيقي أبدًا، في ظل آليات تشمل تخويف الجرحى من الذهاب إلى المستشفيات، ونقل الجثث خارج المسارات الرسمية، وتقييد تسجيل أسباب الوفاة. يقول أحمدي إن هذه الممارسات تشكل «نظامًا لا يهدف فقط إلى قمع الاحتجاج، بل إلى قمع الذاكرة نفسها».


بهذا، لا يرسم التحقيق مجرد صورة لمجزرة، بل يكشف محاولة ممنهجة لطمس آثارها، وترك عائلات بلا إجابات، ومجتمعًا يواجه عنفًا واسعًا يُدفن، حرفيًا، تحت التراب.

https://www.theguardian.com/global-development/2026/jan/27/iran-protests-death-toll-disappeared-bodies-mass-burials-30000-dead